فضل الانتظار وفوائده

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فضل الانتظار وفوائده

مُساهمة من طرف روح الحق في الخميس سبتمبر 02, 2010 8:29 am

أهميَّة انتظار الفرج
وعندما نبحث في الأحاديث المختلفة الصادرة عن المعصومين عليهم السلام نستنتج أنَّ الأعمال كلَّها مع في فيها من الأهميَّة والاعتبار فهي في قبال الانتظار قليلة المستوى حيث أنَّ الانتظار هو:

(أفضل الأعمال)[9]
بل جميع الأعمال العبادية مع ما لها من القدسيَّة والروحانيَّة فهي ليست راجحة على الإنتظار حيث أنَّه (أفضل عبادة الأمَّة)[10] والجدير بالذكر أنَّ هذه العبادة أعني الإنتظار قد دخلت في ساحة أهمّ العبادات وهو الجهاد في سبيل الله وصار (أفضل جهاد الأمة) كما في الحديث التالي الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم حيث قال

(افضل جهاد أمتي انتظار الفرج)[11]
ومن زاوية عرفانيَّة فللانتظار أيضاً مستوى رفيع من العرفان والروحانيَّة حيث صار(أحبَ الأعمال إلى الله) حتَّى وصل المنتظر إلى مستوى الشهيد في سبيل الله.
(.. قال أمير المؤمنين عليه السلام انتظروا الفرج و لا تيأسوا من روح الله فان احب الأعمال إلى الله عز و جل انتظار الفرج .... و المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله)[12]
بل هناك أحاديث تؤكِّد على أنَّ (انتظار الفرج من الفرج) بل (انتظار الفرج من أعظم الفرج).
(...عن محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال سألته عن شئ من الفرج فقال أليس انتظار الفرج من الفرج إن الله عز و جل يقول فانتظروا إني معكم من المنتظرين)[13]
‏وهذا المعنى من الانتظار أعنى انتظار الفرج قد أكتسب قسطاً من القدسية والاعتبار بحيث صار من علائم الإخلاص الحقيقي والتشيُّع الصادق ومن مميزات الدعاة إلى دين الله سراً وجهراً و قد ورد في الحديث
(..أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا..)[14]




السرُّ في أهميَّة الانتظار
لمعرفة السرّ في ذلك ينبغي لنا أن نتحدَّث بالتفصيل حول واقع الانتظار بذكر مقدَّمة مختصرة فنقول:
إن التقييم في القاموس الإلهي يختلف تماماً عن التقييم في القاموس المادِّي ومن الخطأ جداً محاولة تقييم القضايا المعنوية الراقية والمفاهيم الروحانية السامية بالمعايير الماديَّة حيث أن هناك بونٌ بعيد بينهما بل هما في طرفي النقيض وقد وصل التضادّ بينهما إلى مستوى بحيث لا يمكن أن ينقطع الإنسان إلى المعنويات إلا بالابتعاد الكامل عن المادِّيات و أعنى بالابتعاد عنها هو عدم التوجُّه إليها وعدم انشغال الذهن بها.
هذا: ومفهوم الانتظار أعني انتظار فرجِ الله هو في الواقع يندرج تحت اسم من أسماء الله تعالى أعنى "الكاشف" كما في الدعاء:
( يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم)[15] (يا كاشف الغم)[16] (يا كاشف الكرب العظام)[17]
وعلى ضوئه صار مفهوم الانتظار مفهوما معنويا إلهياً حيثُ أنَّه لا يمكن لشيءٍ أن يكتسب جانباً معنوياً ويشتمل على بعدٍ مُقدَّس إلاّ بارتباطه بالله سبحانه وبمقدار ظهور اسم الله فيه، فلنترك إذاً الساحةَ المادية ولنبحث عن الأفضلية في الساحة الإلهية المعنوية.
فنقول:

القرب إلى الله ميزان الأفضلية
ثم لا يخفى على كلِّ من آمن بالله سبحانه أنه ليس في القاموس الإلهي إلاّ ميزان واحد، يقاس به الأفضلية وهو الميزان الحقيقي (وهو الحق) وغيره ليست بموازين بل يُترائى أنها موازين فلا حقيقة لها ولا ثِقل فيها قال تعالي:
(والوزنُ يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)[18] (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون)[19] (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)[20]
وهذا الميزان هو: "التقرب إلى الله سبحانه وتعالى" فيجب أن نبحثَ عن مستوى التقرُّب إليه تعالى في الانتظار وعلى ضوءه نقيِّم مستوى قدسيِّة الانتظار، حتَّى نعرف السرَّ في أفضليَّته على سائر الأعمال بل حتَّى العبادات بحيث صار المنتظر كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله.


الرجـاء بالله
إنَّ من أهم نتائج انتظار الفرج تنميةَ روحيةِ الرجاء بالله في الإنسان المؤمن حيث يُشاهد أمامَه مجالاً وسيعاً من الفضل والكرم والخير الإلهي الذي سوف تظهر مصداقيَّتُها في تلك الدولة العظيمة المباركة وهي دولة المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه، تلك الدولة الكريمة التِّي يعزُّ الله بها الإسلام وأهلَه ويذلُّ بها النفاق وأهلَه، ومن الطبيعي لمن يمتلك هذه الرؤية أن يحتقر العالم الذي يعيشه بما فيه من المُغريات الخلاّبة الدنيوية والتسويلات الشيطانية، وهذا الأمر(أعني تحقير المظاهر الدنيويَّة) هو أوَّل خطوة يخطوها السالك إلى الله وهي (التخلية) التِّي تستتبعها (التحلية) ومثل هذا الإنسان المؤمن قد وصل بالفعل إلى مُستوى من العرفان والعبودية بحيث يكون لسان مقالِه حالِه وعملِه هو (صلِّ على محمدٍ و آل محمد وأثبتْ رجائك في قلبي و اقطعْ رجائي عمَّن سواك حتى لا أرجو إلا إيّاك ..)[21]
ثمَّ يترقَّى في العبوديَّة فيقول: (بسم الله الذي لا أرجو إلاّ فَضله)[22] (يا من أرجوه لكل خير)[23]
هذه الروحية إن تركَّزت في الإنسان المؤمن فسوف تُعمِّق جذورَها فتقمع جميعَ الأشواك والموانع الصادَّة ،لتنشرَ فروعَها الطيِّبة وثمارَها الجنيَّة في السماء حتَّى تؤتى أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها. فكيف لا يكون الانتظار أفضلَ الأعمال بل أفضل العبادات؟! وهو الذي يُخيِّم على جميع الأعمال ويُلقى الضوء عليها.

أفضل الجهاد
ما هو الأمر المتوقع من المجاهد في سبيل الله حين الجهاد؟ وما قيمة المجاهد لولا النيّةُ الصادقة التي تنصبُّ في سبيل الله؟
هذا الأمر بنفسه بل أعلى مستوى منه متوفِّر في المنتظر الحقيقي الذي يتمنَّى في كلِّ صباحٍ ومساءٍ أن يعيش في ظلِّ ذلك المعشوق روحي لتراب مقدمه الفداء ولسان حاله (..فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي ملبياً دعوةَ الداعي في الحاضرِ و البادي..)[24] وهو بقربه إلى الله وشهوده مقام ربِّه صار كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله شهيداً في سبيل الله ،وليس للشهيد خصوصيةٌ كمصداق بل الخصوصية والقيمة لمفهوم الشهادة التي تعني الوصول إلى الله و شهود وجه المحبوب، والمنتظِر يؤدِّي نفس الدور حيث يشاهد وجهَ ربه و هو في نفس الوقت يعايش الناس،وهذه الحالة هي التي تحقِّق فيه الصفاتِ الحسنة التي ذكرت في الأحاديث الشريفة على ما سيأتي عند بيان أخلاق المُنتظِر.
والحديث التالي قد بيَّن السر الذي رفع مستوى الانتظار إلى هذه الدرجة:
(عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي عن على بن الحسين عليه السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم و الأئمة بعده يا أبا خالد إنَّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره افضل أهل كل زمان لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزله المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزله المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله و سلَّم بالسيف أولئك المخلصون حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى دين الله سرا و جهرا و قال: انتظار الفرج من اعظم الفرج)[25]
وماذا بعد الفرج ؟ إلا كشف الكربة عن وجه المؤمن برؤية الواقع و الأمر حينما تتحقق تلك الدولة العظيمة التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وجَوراً؟

فالانتظار إذاً له نتيجتان :
1-إنَّه بالفعل يُحقِّق {كشف الكربة} بنحو مجمل.
2-إنَّه عاملٌ جذري أساسي للفرج بظهوره سلام الله عليه حيث يسود الحكمُ الإلهي الأرضَ كلّها.
ووِزانُ الانتظار وزانُ النية التي هي خير من العمل حيث جاء في الحديث "نية المؤمن خير من عمله" لأن هذه النية من ناحية هي التِّي ترفع مستوى الإنسان ومن ناحية أخرى تلازم العمل بل توجده (قل كلٌ يعملُ على شاكلته)[26]
وليعلمْ أنَّ تعجيل الفرج يتناسب مع الإنتظار شدَّةً وضعفاً. ومن هذا المنطلق نشاهد أن الآية الكريمة تصرح بقولها:
(..وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)[27] فقربُ نصر الله متناسبٌ مع طلب النصر (متى نصر الله) وهذا الطلب الأكيد لا يحصل إلاّ بعد اليأس (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين)[28]

الانتظار و جانباه الإيجابي و السلبي
إنَّ كلمة الانتظار تدُّل على حالتين كامنتين في روح المنتظر، فمع التأمَّل في هذه الكلمة نشاهد أنَّها تدلُّ على جانبين أساسيين (إيجابيٌ وسلبيٌ) لكل منهما دور مهمّ في معنى الكلمة وهذان الجانبان هما:
1- الإيجابي: الجانب المطلوب و المحبوب للمنتظِر و المتوقَّع الوصول إليه وهو الخير والبركة وتمكين الدين على الأرض كلِّه فلو لم يتوقع حدوث حالة جديدة و إيجابية في المستقبل فلا مصداقية للانتظار ولا معنى له.
2- السلبي: الجانب غير المطلوب و غير المحبوب الذي يتمثَّل في الحالة الفعلية التي يعيش فيها المنتظر تلك الحالة المُؤذية التي يأمل المنتظر أن يتخلَّص منها ،فلو كان الوضع الفعلي هو الوضع المطلوب فلا معنى للانتظار إذاً ولا مبرر له.
وبعبارة أوضح: هناك تناسب عكسي بين أمرين هما:
1-اليأس من الحالة الفعليَّة المعاشَة.
2-الرغبة في الحالة المستقبليَّة المتوقعة.
هذا ما يستفاد من نفس الكلمة من دون النظر إلى أي أمرٍ آخر خارج الكلمة وتشهد لهذه الحقيقة الآية الكريمة التِّي وردت في هذا المجال حيث المعنى والسياق وحيث الأحاديث الدالَّة على ذلك:
قال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون)[29]
فالآية الكريمة تشير إلى الجانبين المتواجدين في نفس المضطر:
1- سوءٌ غير مكشوف وهو السوء المطلق الذي من خلاله حدثت سائر مصاديق السوء وهذا السوء يتمثَّل في أمرٍ واحد وهو أنَّ خلافة الأرض ليست بيد المُضطَر.
2- وهناك توقُّع ورجاء و رغبة كامنة في نفس المضطر وهي أن تكون الخلافة العامَّة على جميع الأرض له ولمن يقتدي به ويخطو خطاه.

وأمّا الحديث عن شخصيَّة المضطر وأنَّه من هو؟ فهو خارج عن بحثنا ههنا ولكن قوله تعالى (ويجعلَكم خلفاء الأرض) يُنبأنا عن حقائق كثيرة لعلَّنا شرحناها فيما بعد.

فلا يمكن للمؤمن ممارسةُ عمليةِ الانتظار إلاّ بعد عرفان أمرين متلازمين:
الأول: وهو الأصل والأهم ويتمثَّل في معرفة تلك الخلافة الإلهيَّة وهذا هو التولِّي.
الثاني: وهو تابعٌ وملازم للأصل وهو معرفة السوء الذي يتمثَّل في الواقع الفعلي ومن ثمَّ التبرِّي منه.
وكلا الأمرين يفتقران إلى الوعي والتدبُّر والدقَّة فنقول:
إنَّه من الأفضل أن نبدأ بالأمر الثاني أعني معرفة السوء ورفضه تحت عنوان الإنتظار والرفض ثمَّ نتحدَّث عن الأمر الأوَّل تحت عنوان الانتظار والرجاء.

الانتظار والرفض
إنَّه من الضروري لمن يعيش حالة الانتظار أن يعرف مدى انحراف الواقع الفعلي عن الحقيقة والصواب وينبغي أن يصل إلى مستوى من الانزجار والتنفُّر بحيث يحسّ بأنَّه بالفعل سجين في هذه الدنيا وبالفعل هو مقيّدٌ بأنواع القيود التِّي لا مفكَّ منها ولا مفرّ إلاّ بظهور المنجي الحقيقي وهو الحجة بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.. وينبغي له أن يشعر بأنَّ المشكلة التِّي يعيشها ليست هي مُشكلةٌ جزئيَّة يمكن التحرِّي عنها والتخلُّص منها بسهولة بل هي مُشكلةٌ كبيرة ومعضلةٌ عظمى قد رسَّخت جذورَها في جميع الأرجاء ونشرت سمومَها في كافة الأنحاء، فنحن عندما نلاحظ المجتمع نري أنّ أبشع أنواع الظلم يسوده فلا حرية فكرية تحكم الناس ولا إرادة يمارسونها وإن كانوا يتصورون أنهم أحرار.
فعلى سبيل المثال نشاهد أنَّ الأجهزة الإعلامية العالميَّة تجسِّد الباطل وكأنَّه الحقّ وتصوِّر الكذب وكأنه الصدق وكل شيء حول الإنسان مزيَّف ولكنَّه لا يشعر بهذه المشكلة التي وقعت عليه فلا يفكر إذاً في تبديل ما هو عليه من الانحراف والإغفال.
فإذاً للتعجيل في فرجه عليه السلام ولإيجاد الداعي في المجتمع يجب أن ينتشر وعلى الأقلّ الشعور بالمظلوميَّة كي يعلم الإنسان ويحس بكلِّ وجوده بأن الظلم قد شمله هو أيضاً حيث يعيش تحت ظلّ تلك الشجرة الخبيثة التّي أسَّستها السقيفة حيث ظهر الفساد في البرِّ والبحر ومن ثمَّ سوف يفكر في إنقاذ نفسه من هذه المشكلة.
وينبغي للإنسان أن يعرف أنَّه لا محيص ولا مناص إلاّ بتوجُّهه عليه السلام، ومن ثمَّ بظهوره ومباشرته للحلّ بأسلوبه الملكوتي، وعليه أن يدرك هذه الحقيقة بجميع وجوده بروحه ودمه وجسمه وجوارحه بحيث لا تمرُّ عليه ساعة بل لحظة إلا وهو يشعر بفقدان النور وباستيلاء الظلام على الكون وهذه الحالة لا تحصل له إلا بالمعرفة أعنى معرفة الله و معرفتهم عليهم السلام ودولتهم المباركة فلا بد أن يكون على بصيرة من أمره حيث أن الأعمى لا يمكنه أن يدرك النور مهما شُرِح له، وهذه المعرفة تلازمها معرفة أخرى وهي معرفة أساليب الأعداء الشيطانيَّة و مستوى عداوتهم للحق وانحرافهم عن الواقع وبعدهم عن الله تعالى، وعند وصول المؤمن إلى هذه المرحلة من الوعي والإدراك ينبغي له أن يلتزم بواجب هو من أهمِّ الواجبات ألا وهو التبري من أعداء الله.
ثمَّ إنَّ هذه الحالة النفسية أعني الرفض سوف تكون لها آثار إيجابيَّة في أخلاقه وأعماله تجعله يشتاق إلى ما سيحقَّق من النصر وتمكين الحق وهكذا سوف يزداد الاشتياق إلى أن ينقلبَ إلى قرارٍ حاسمٍ ومن ثمَّ إرادة جدِّية وطلب مؤكَّد وحينئذ سوف يراه المهدي عليه السلام (متى ترانا) ومثل هذا الإنسان سوف يتفاجأ برؤيته عليه السلام فلا يرى نفسَه إلاّ ويعيش دولته العظيمة وظلَّه الملكوتي المبارك (..ونراك وقد نشرت راية الحق تُرى)
الرفض من العبادات الاجتماعية
إنَّه من النتائج الخبيثة والآثار السيِّئة التي نشأت جرّاء عزل الدين عن المجتمع و فصلة عن الحُكم خلال قرونٍ متواليةٍ، هو تحريف المفاهيم الدينية وتفسيرها تفسيراً مؤطَّراً بإطار الفرد لا يتخطاه قيد أنملة وكأنَّ الدين لا يمسُّ المجتمع بصلة، وهذه الآفة قد تسرَّبت بشدّة في تقييم المفاهيم الأخلاقية الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة،فقد فُسرَّت جميعها أو أكثرها تفسيراً فردياً وكأنها لا علاقة لها بالمجتمع ولا مساس لها بالأمَّة وكأن الغاية من بعث الرسل وإنزال الكتب هو إيصال الأفراد كأفرادٍ إلى الكمال المطلوب ليس إلاّ.
ومن المؤسف أنَّ هذا النوع من التفسير مع غاية بعده عن روح الإسلام صار كالبديهي عند أكثر المسلمين حتى عند علماء الإسلام، وقد تركزت هذه الأفكار في المجتمع-من خلال هؤلاء الجهلة- تركيزاً شديداً بحيث أصبح كلُّ من يخالفها من جملة الشاذِّين عن الدين وفي زمرة المنحرفين عن الصراط المستقيم!! وبالنتيجة من المطرودين والخارجين عن ربقة الإسلام والمسلمين.
هذا والقرآن بصريح العبارة يبيِّن السرّ في بعث الرسل بقوله:
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز)[30]
ومن الواضح أنَّ للحديد الذي هو كناية عن القدرة دورٌ مهم وأساسي في بناء المجتمع فهو الساعد الآخر الذي يضمن تنفيذَ قوانين الدين بعد الإيمان بالله. ولم يكتف القرآن بذلك بل حرَّضَ كافة المؤمنين بالقيام بالقسط فقال:
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)[31]
وعلى ضوئه: ينبغي أن لا ننظر إلى المفاهيم الإسلامية من منظار فردي فحسب بل لا بد أن يكون المنظار الاجتماعي هو الحاكم و هو المخيم على التحليلات الإسلاميَّة والمفاهيم الأخلاقية.
فمثلا: التقوى ليس هو مفهوم أخلاقي فردي فحسب بل هو مفهوم اجتماعي أيضا فهناك تقوى في الإنسان كفرد و هناك تقوى أهمّ وهو التقوى بمفهومه الاجتماعي الذي يرجع إلى الأمة المؤمنة ولكلٍ منهما أثره الخاص به ولكل جزاءه المترتب عليه وثوابه المنسجم معه.
وكذلك مفهوم الإيثار و الإخلاص و الكرم و الجود و الغيرة و الشجاعة وغيرها من القيم الإنسانية الإسلامية.
نفس الحديث يتأتّى في المفاهيم اللا إنسانية و القيم اللا أخلاقية و اللا إسلامية..كالبخل و الرياء والنفاق و الخيانة والشره و الجبن وغيرها من المفاهيم.
نعم هناك بعض المفاهيم (وهي قليلة) يتغلب عليها الجانب الفردي كما أن هناك مفاهيم يتغلب عليها الجانب الاجتماعي، و لكن هذا لا يعني أن نتمسك بها كمفاهيم خاصّة فرديَّة.
والمتأمل في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة سوف يذعن بما قلناه. ولا بأس بذكر مثال واحد فنقول:
مثلا قوله تعالى في سورة الشعراء في ثمان آيات عن لسان الأنبياء (فاتقوا الله و أطيعون)[32] وكذلك في سورة الزخرف[33]، هو خطاب للمجتمع الذي كانوا يعيشونه، ذلك المجتمع المبتعد عن واقع الدين. وليس الخطاب متوجِّهٌ إلى الأفراد خاصَّةً.
ومن هذا المنطلق نقول لو أن القيم الأخلاقية أو المفاهيم الاعتقادية رسخت في عدد من الأفراد حق الرسوخ ولكن لم تتجسد تلك المفاهيم في الأمة الإسلامية كأمة فهل يجدى ذلك نفعا للأمة؟ وهل يرتفع الضرر عن الأمة؟ من الواضح أن ذلك لا يجلب منفعة للأمَّة كما أنه سوف لا يدفع شراً عنها بل المصيبة سوف تشمل الأفراد أيضا مهما كانوا يتحلَّون بالصلاح والخير قال تعالى:
(فلما نسُوا ما ذكّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون)[34](واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أنَّ الله شديد العقاب)[35]
وذلك حيث لا استثناء في القانون الإلهي الذي يتعلَّق بالأمَّة.
بل لو دققنا النظر وتعمقنا في الأمر لوصلنا إلى حقيقة أخرى قد استترت عن الكثير وهي: أنه من الصعب أن نحكم بصلاح فرد وهو يعيش في أمة فاسدة ذلك الفرد الذي لم يوصل نفسَه إلى مستوى القيادة والإشراف على أمَّته أو لم يهجرهم هجراً جميلاً كي يسلم من آفاتهم!!
وربما نستلهم هذا الأمر من الآتيين السابقتين:
فبالنسبة إلى الآية الأولي نلاحظ أنَّ الذين نجَوا هم الذين (ينهون عن السوء) وأمّا الذين ظلموا الذين هم الفسّاق سواء المظهر فسقه أو الساكت عن الجريمة فإنَّ الله قد أهلكهم .
وبالنسبة إلى الآية الثانية نشاهد أنَّ غير الظالمين أيضاً قد شملتهم الفتنة حيث أنَّ استسلامهم للظلم هو ظلمٌ في القاموس الإلهي.


صفات المنتظِر
صـفاته الاجتماعيـة
الأحاديث الشريفة قد ذكرت صفات للمنتظر وهي (الحزن -التسليم-اليأس-وطول السجود وقيام الليل واجتناب المحارم - والدعوة إلى دين الله سراً و جهراً-وحسن العزاء وكرم الصحبة-وحسن الجوار وبذل المعروف وكف الأذى وبسط الوجه و النصيحة والرحمة للمؤمنين وأداء الأمانة إلى البر والفاجر)
ولكن:
على ضوء ما شرحنا ينبغي أن نعرف بأن صفات المنتظر ليست هي صفات فرديَّة فحسب بل ينبغي أن ينطلق الفرد منها في بادئ الأمر لتستوعب كافَّة زوايا المجتمع الذي يعيشه وتتفاعل به الأمَّة حتى تعمُّ فائدتها، فالانتظار وما يترتب عليه من الصبر والحزن وحسن العزاء واليأس ووو.. كلها لا بد أن تتجسد في المجتمع ولا تنحصر في الفرد ومع تجسُّدها في المجتمع سوف يقترب الفرج وينكشف الضرّ إنشاء الله.
الرفض الاجتماعي
وهاهنا وبصريح العبارة نقول:
أنَّ التكليف الرئيسي الذي يُمثِّل أهم التكاليف في عصر الغيبة هو ما أشرنا إليه سابقاً وهو الرفض ولكن هذا التكليف ليس هو تكليفاً فردياً فحسب بل هو تكليفٌ اجتماعي فيلزم على المؤمن أن يكون رفضُه رفضاً ينطلق من منطلق شرعي الهي حتى يتقرب به إلى الله فيكون عبادةً من نمط العبادات الاجتماعية التي تخيِّم على جميع العبادات الفردية.
ولأجل أن يتَّسم الرافض للمجتمع الفاسد بوسامٍ إلهي ينبغي له أن يمارس الأمور التالية:
الأول: البناء الفردي وأعني به السعي للتقرب إلى الله بالتلبس بلباس التقوى الذي هو خير لباسٍ حتَّى يرتفع مستوى رفضه هذا من السلب المطلق الذِّي هو (لا) إلى سلبٍ يتضمَّن إيجاباً. وعندئذ سوف يكون رفضُه رفضاً مقدَّساً له معنى ومفهوم رسالي عميق فليست كلُّ لاءٍ هي بالفعل لاء، بل هذا النمط من اللاء أفضل من ملايين نعم إن صحَّ القياس بينهما.
فهذا الرفض ليس من السكوت المذموم الذي هو حالةٌ سلبيةٌ جوفاءُ تُعرقل الإنسان والمجتمع. كلاّ! بل هو حالةُ صراخٍ ليس مثلها صراخ (ويكفيك نموذجاً سكوت عليٍّ عليه السلام طوال خمسة وعشرين سنة) وهذه الحالة هي الحالة التكاملية التِّي تبني الإنسان وترفع من مستواه إلى الأعلى وتجعله يتكامل شيئاً فشيئاً من دون الوقوف عند حدٍّ.. وكذلك تُنمِّي المجتمع وترفع مستواه وتجعله يعيش عيشة عزيزة لا يتسرب إليها ذلٌّ وهوان ولا تعتريها آفةٌ وخذلان. فلِمَ لا تكون هذه الحالة أفضل العبادة؟ ولِمَ لا يكون أفضل الجهاد؟ ولم لا يصل هذا الإنسان المتحلِّي به إلى مستوى المتشحط بدمه في سبيل الله؟
الصـبر:
الثاني: إنَّ هذا الرفض لا يمكن أن يستقرَّ في ضمير الإنسان إلا بعد تعزيزه بخصال حميدة أخرى وهي:
ألف: الصـبر
وهذه الصفة هي أهم تلك الصفات لأنَّها في الواقع الضمان لتلك الحالة ، والصبر هاهنا يختلف عن الصبر في المواطن الأخرى بل الصبر الحقيقي الذي هو كالأم لسائر المصاديق هو هذا النوع من الصبر حيث اشتماله على جميع أنواع الصبر التي نطقت بها أحاديثنا الشريفة وهي ثلاثة كما في الحديث الذي نقله المحدِّث الكليني قدِّس سرُّه:
(بإسناده عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم الصبر ثلاثة: صبرٌ عند المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية...)[36]
وقد ذكرت هذه الرواية درجاتٍ أخروية لكلٍّ من تلك الأصناف الثلاثة
ولكنَّ الصبر الملازم للانتظار قد استوعب هذه المراحل الثلاثة وذلك لأنَّه:
*هناك أعظم مصيبة ابتلى بها المؤمن المنتظر وهي مصيبة فقدان قائده الروحي وإمامه الثاني عشر الحجَّة بن الحسن المهدي عجَّل الله تعالى فرجه الشريف، فهو يعيش حالة اليتم وهذه المعضلة العظمى بطبيعتها تتطلَّب الصبر.
*هناك طاعة تتجسد في التبري من كل ما و من هو يزاحم هذه الروحيَّة(أعني روحيَّة الانتظار) (فإنهم عدولي إلاّ ربّ العالمين).
*وهناك معاصي محيطة بهذا الإنسان المؤمن إحاطة كاملة، تلك الأمور التي تقصم الظهر من المُغريات المادِّية والتسويلات الشيطانية المنتشرة على مستوى وسيع بحيث لا يلتفت الإنسان يميناً أو يساراً إلاّ وهي بارزة أمامَه خصوصاً في عصرنا الحالي حيث الأقمار الصناعية وحيث الشبكات الدوليَّة مثل الإنترنت والأجهزة الإعلاميّة التّي مهمَّتُها الرئيسي نقل الفساد إلى العالم الثالث.
فالمنتظر للدولة المباركة سوف يعيش كلَّ تلك المغريات طوال حياته فيشاهد بأمّ عينيه أنَّه يسير إلى جهة والعالم بأجمعه يسير إلى جهة أخرى مضادَّة له تماماً ومن ناحية أخرى يشاهد أنَّ جنود الشيطان وأهل الدنيا يمثِّلون السواد الأعظم فهم الملأ الذين يملئون الأعيُن.
ومن المؤسف جدّاً أنَّ أرباب الدنيا ربَّما ينطلقون من منطلق النصيحة والإصلاح والحب في مسيرتهم الباطلة حيث يُترائى أنهّا حركة إصلاحية بل إسلامية يتقرب بها إلى الله، ومن الصعب أن يقتنعوا بخطأهم أو يحتملوا ذلك، ومن الواضح أنَّ هذا الأمر سوف يجعل المؤمن المنتظر الصابر يعيش حالة صعبة أخرى وهي حالة: (الغربة) ولا تتلخَّص هذه الغربة في الغربة الاجتماعية بل هناك غربة أصعب من ذلك ألا وهي الغربة الفكرية والأيديولوجية التي تؤكد عليها الأحاديث الشريفة وتجعلها من صفات وعلائم المنتظر الحقيقي كالحديث التالي:
(..على بن موسى الرضا عليه السلام… قال بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل يا رسول الله ثم يكون ما ذا قال ثم يرجع الحق إلى أهله)[37]

الثاني: التصابر:
فماذا يفعل إذاً هذا الصابر كي يستمرَّ في صبره ولا يهون؟ لابدّ وأن ينتقل من مرحلة الصبر إلى مرحلة أرقى وهي التصابر كي يخلق الصبر في الآخرين حتَّى ينسجموا معه فيستمرَّ في مسيرته ويصمد في مواقفه حتى تحقق تلك الدولة العالميَّة المباركة،وسورة العصر هي التِّي ترسم الطريق للمؤمنين المنتظرين قال تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم والعَصر)
أي قسماً بالعصر وربَّما يكون المقصود من العصر في هذه السورة هو عصر الحجَّة عجلّ الله تعالى فرجه الشريف.
أو ما ذكره الإمام قدِّس سرُّه حيث قال: (يقال:أن العصر هو الإنسان الكامل، وهو إمام الزمان سلام الله عليه أي عصارة جميع الموجودات أي قسماً بعصارة جميع الموجودات قسما بالإنسان الكامل) ولا منافاة بين التفسيرين.
(إنَّ الإنسان لفي خُسر)
هذا الإنسان الذي قد حُكم عليه بالخسران المطلق هو الإنسان الذي يعيش خارج العصر أي يعيش حالة الغيبة.
والإنسان المذكور هنا يشمل جميعهم
(إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)
والاستثناء بطبيعته يدلُّ على النُدورة والغربة فالنادر من الناس والقليل منهم يتَّسمون بهذه السمات الأربعة المتوالية والتِّي ترجع بالأخير إلى صفة فاردة وهي (انتظار الفرج) على ضوء ما قدمنا.
إلى متى
والجدير بالذكر أنَّ التواصي بالحق والتواصي بالصبر هي حالة ثابتة للمؤمن مادام هو مؤمن .
فمن الأحرى أن يُسأل إلى متى هذا التواصي؟ وفي آخر المطاف هل لمجتمع أن يعيش الراحة والطمأنينة والهدوء ؟ وإن كان الجواب سلبياً فأين حكمة الله البالغة وأين لطفه الشامل وأين كرمه الجميل؟
أقول: لابدَّ من وصول الإنسان المؤمن المتَّسم بتلك الصفات إلى مرحلة نهائية وهي مرحلة الكمال، وهي مرحلة العيش في العصر لا خارجه على ما تدلُّ عليه السورة المباركة.

الانتظار والرجاء

قلنا أنَّ هناك بُعدين للانتظار أحدها الرفض والثاني الرجاء وفصَّلنا الحديث في البعد الأوَّل وحان الآن التحدُّث عن البعد الثاني فنقول:
هناك أحاديث تؤكِّد على أنَّ أمر الأئمَّة عليهم السلام هو الشيء المُنتَظَر.
فهل هناك طريقٌ يوصلنا إلى أمرهِم عليهم السلام؟
وهل من السهل أن نعرفَ أمرَهُم؟
أمرُهم صعبٌ مُستَصعَبٌ
وردت أحاديث كثيرة جدّاً تؤَّكِّد :
(إنَّ أمرَنا صعبٌ مستصعبٌ لا يَحتمله إلا مَلَكٌ مقرَّب أو نبيٌّ مُرسلٌ أو عبدٌ امتَحَن اللهُ قلبَه للإيمان)
فلا بدَّ إذاً من التعمُّق في مثل هذه الأحاديث حتَّى نعرف المقصود منها ثمَّ نعرِف كيفيَّة تسهيل هذا الأمر المُستصعب؟
فنقول:
الكلام حول هذه الأحاديث يتلخَّص في جانبين:
الأوَّل: من ناحية الصدور:
ويشتمل على:
ألف-مصادر الأحاديث.
ب- المعصومون الذين نقلت عنهم تلك الأحاديث.

ألف-المصادر
نقل الحديث كلٌّ من :
1-الكليني رحمة الله عليه في كتابه الكافي وقد جعل لذلك باباً مستقلاً وهو باب (فيما جاءَ أنَّ حديثَهم صعبٌ مستصعبٌ)[38]
2-الشيخ المفيد في إرشاده واختصاصه .
3-الصدوق في توحيده وخصاله وأماليه وكتابه معاني الأخبار.
4-وأيضاً في كتاب بصائر الدرجات ورجال الكشى.
وكُتبٍ أخرى ذكرها العلامَّة المجلسي في بحاره من أراد الإطلاّع عليها فليراجع.
ب-عمَّـن نُقلـت
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وكلٍّ من أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام والإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام والإمام أبي جعفر الباقي عليه السلام والإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام.

الثاني: من ناحية الدلالة
ويشتمل على: (عبارات الحديث المختلفة والجمع بينها)
وينبغي لنا أن نَذكر كافة العبارات التِّي صدرت عنهم عليهم السلام في هذا المجال كي نفهم المراد الصحيح من كلامهم بالجمع بينها فنقول:
ألف: أمّا بالنسبة إلى الشيء الذي هو صعبٌ مستصعب:
وردت العبارات التالية:
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله إنَّ حديثَ آل محمد صعب مستصعب) وعن الأئمَّة عليهم السلام (إنَّ أمرَنا..)(إنَّ حديثنا...)(إنَّ علم العالم ...)(إنَّ كلامي...)
ب:الأوصاف المختلفة:
وأيضاً بالنسبة إلى أوصاف ذلك الأمر فقد وردت بِصُوَرٍ مختلفةٍ:
أهمُّها:
(عن أبي جعفر عليه السلام قال إنَّ حديثنا صعبٌ أجردٌ ذكوانٌ وَعِرٌ شريفٌ كريمٌ) (..عن الاصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام قال سمعته يقول إنَّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ خَشِن مخشوشن)
وفي حديث أبي جعفر عليه السلام يخاطب جابر بن يزيد:
(يا جابر حديثنا صعب مستصعب أمرد ذكوان وعِر أَجرد)
وأيضاً في حديث أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام:
(سمعته يقول ان حديث آل محمد صعب مستصعب ثقيل مقنع اجرد ذكوان..)
وفي حديثٍ آخر قال الراوي :
(قلت فسر لى جعلت فداك قال ذكوان ذكيٌ أبداً قلت أجرد قال طريٌ أبَداً قلت مقنَّع قال مستور)
وفي خصوص الكلمة الأخيرة ورد حديث في الكافي:
(عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن خالد بن نجيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال إنَّ أمرَنا مستور مُقَنَّعٌ بالميثاق فمن هتك علينا أذلَّه الله)

ويمكن تقسيم هذه الصفات إلى قسمين رئيسيين:
ألف: صعبٌ مستصعبٌ وعِر خَشِن مخشوشن. ثقيل.
ب: اجرد ذكوان ذكيٌ قال (طري أبداً)
ج: مقنَّع قال مستور .
د: لا يعرفه إلاّ ؟
ومن هو الذِّي يَعرِفُ أمرَهم و يُقرُّ به و يُؤمنُ به ويَعيه ويَصبر عليه ويعمل به ويحتمله ويعقله على حسب الروايات؟؟
الأحاديث في هذا المجال تؤَّكِّد على أنَّهم ثلاثة وهم:
(مَلَكٌ مقرَّب أو نبيٌ مُرسَلٌ أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)
ولكن هناك حديث أضاف إلى هذه الثلاثة أمراً رابعاً وهو "مدينة حصينة". وفي بعضها "مؤمن ممتحن" وورد في بعضها "إلاّ من كتب الله في قلبه الإيمان" ووردت صُوَر أخرى وهي:
(إلا صدور منيرة أو قلوب سليمة و أخلاق حسنه)(إلا صدور مشرقة وقلوب منيرة وأفئدة سليمة وأخلاق حسنة)(ولا تعي حديثَنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة)(لا يعي حديثنا إلا حصون حصينة أو صدور أمينة أو أحلام رزينة)(لا يعمل به ولا يصبر عليه إلا ممتحن قلبه للإيمان)
وفي حديث عمرو بن اليسع عن شعيب الحداد بعد ما نقل ذكر الصادق عليه السلام الصفات الثلاثة وأضاف (أو مدينه حصينة) قال عمرو فقلت لشعيب يا أبا الحسن (وأي شئ المدينة الحصينة قال فقال سالت الصادق عليه السلام عنها فقال لي القلب المجتمع)
أقـول:
و من خلال الأحاديث السابقة نستنتج النتائج التالية:
1- إن المعرفة و العمل متلازمتان لا تنفكان أبدا.
2- إن هناك تسلسل طولي بين كل من الأمرين :
الف: الإيمان و المعرفة و الوعى و التعقل.
ب: الاحتمال (أي التحمُّل) والعمل والصبر على ذلك.
فلا يمكن للإنسان أن يحتمل الصعب المستصعب إلا بعد أن أذعن به وتعرَّف عليه حق المعرفة.
3- إن أمرهم عليهم السلام هو شئ مجرد صافٍ نوراني خارج عن عالم الكثرة و المادة (ذكوان أجرد) وبطبيعته يكون(مقنعا) أي مستوراً.
4- إن الأمور النورانية مهما كثرت فهي واحدة لتجرُّدها و بساطتها.. فلا تناقض و لا تخالف بين (الحديث والكلام والأمر) مادام كلها تنطلق من ذلك النور بل في الواقع كلُّها ترجع إلى شيءٍ واحد وهو الأمر
وهناك نتيجة خامسة وهي:
دولة المهدي دولة النور:
إن الصفات المذكورة في الأحاديث للمؤمن الذي يحتمل أمرهم كلَّها صفاتٌ تنبئ عن واقع نوراني قد استولى على ذلك الإنسان المتَّصف بتلك الصفات ككونه ملك مقرب أو نبيٌّ مُرسل أو عبد ممتحن أو صدور منيرة أو قلوب سليمة... الخ وهذا إن دلَّ على شئ فإنما يدل على أن الواقع الذي سوف يحققه ولى الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف هو واقع يختلف تماماً عمّا نعيشه نحن في عصرنا الحالي من العيشة المادية الصرفة التي لا تتحلى بالمعنوية والنورانية أصلاً.. وقد مَلئَت هذه الدنيا أفكارَنا وأذهاننا بحيث لم تسمح لنا أن نتصور تلك الدولة تصوراً صحيحاً ناهيك عن التصديق بها كما هي وبالفعل صار هذا الأمر أمراً صعباً مستصعباً علينا.
وعليه:
يتأكد علينا أن نجدد نظرنا في فهم و معرفة دولة المهدي كي نرغب فيها وننتظرها..
وفي زيارة الجامعة الكبيرة:
(عارف بحقكم مقر بفضلكم محتمل لعلمكم محتجب بذمتكم معترف بكم مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم)
وفي زيارة أخرى:
(السلام عليكم يا أئمة الهدى السلام عليكم يا أعلام التقى السلام عليكم يا أولاد رسول الله أنا عارف بحقكم مستبصر بشأنكم موقن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأيامكم مرتقب لدولتكم)



________________________________________
[1] هود 119
[2] التوبة 107
[3] بحار الأنوار ج 77 ص 373 رواية 35باب 14
[4] بحار الأنوار ج 5 ص 322 رواية 3 باب 17
[5] هود 93
[6] بحار الأنوار ج 68 ص 347 رواية 17 باب 27
[7] بحار الأنوار ج 83 ص 14 رواية 25 باب 6
[8] الإنسان 24
[9] بحار الأنوار ج 10 ص 99 رواية 1 باب 7 و ج 52 ص 122 رواية 2 باب 22
[10] بحار الأنوار ج 52 ص 122 رواية 3 باب 22و ج 52 ص 125 رواية 11 باب 22
[11] بحار الأنوار ج 77 ص 143 رواية 1 باب 7
[12] بحار الأنوار ج 52 ص 123 رواية 7 باب 22
[13] بحار الأنوار ج52 ص128
[14] بحار الأنوار ج 36 ص 387 رواية 1 باب 44
[15] بحار الأنوار ج 86 ص 323 رواية 69 باب 45
[16] بحار الأنوار ج 36 ص 205 رواية 8 باب 40
[17] بحار الأنوار ج 86 ص 235 رواية 59 باب 44
[18] أعراف 8
[19] الأعراف 9
[20] يونس 23
[21] بحار الأنوار ج 86 ص 216 رواية 30 باب 44
[22] بحار الأنوار ج 90 ص 164 رواية 15 باب 9
[23] بحار الأنوار ج 47 ص 36 رواية 35 باب 4
[24] بحار الأنوار ج 53 ص 96 رواية 111 باب 29
[25] بحار الأنوار ج 52 ص 122 رواية 4 باب 22
[26] الإسراء 84
[27] بقرة 214
[28] يوسف 110
[29] النمل62
[30] الحديد 25
[31] النساء 135
[32]الشعراء 108،110،126،131،144،150،163،179
[33] الزخرف 63
[34] الأعراف165
[35] الأنفال 25
[36] الكافي ج 2 ص 91 رواية 15
[37] بحار الأنوار ج 25 ص 134 رواية 6 باب 4
[38] الكافي ج 1 ص 400




روح الحق
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 04/08/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى